أحمد بن محمد مسكويه الرازي

251

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

فان هؤلاء يستحقر بعضهم بعضا ، ولا يزال يصغّر بصاحبه ويزري على مروءته ويتطلّب عيوبه ويتتبّع عثراته ، ويبالغ كل واحد في ما يقدر عليه من إساءة صاحبه حتى يؤدّي بهم الحال إلى العداوة التامّة التي يكون معها السعاية وإزالة النعم ، وتجاوز ذلك إلى سفك الدّم وأنواع الشرور فكيف يثبت مع المراء محبّة أو يرجى له ألفة ؟ ثم احذر في صديقك إن كنت متحققا بعلم أو متحلّيا بأدب أن تبخل عليه بذلك الفن ، أو يرى فيك أنك تحب الاستبداد دونه والاستئثار عليه ، فان أهل العلم لا يرى بعضهم في بعض ما يراه الدنيا بينهم ، وذلك ان متاع الدنيا قليل . « 1 » فإذا تزاحم عليه قوم ثلم بعضهم حال بعضه ، ونقض حظ كل واحد من حظ الآخر . فاما العلم فإنه بالضّد وليس أحد ينقص منه ما يأخذه غيره منه ، بل يزكو على النفقة ويربو مع الصدقة ، ويزيد على الانفاق وكثرة الخرج ، « 2 » فإذا بخل صاحب علم بعلمه فإنما ذلك لأحوال فيه كلّها قبيحة ، وهي أنه : إما ان يكون قليل البضاعة منه فهو يخاف ان يفنى ما عنده ، أو يرد عليه ما لا يعرفه فيزول تشرفه عند الجهّال ، وإمّا ان يكون مكتسبا به فهو يخشى ان يضيق مكسبه به وينقص حظه منه ، وإما ان يكون حسودا والحسود بعيد من كل فضيلة لا يودّه أحد . واني لأعرف من لا يرضى بأن يبخل بعلم نفسه حتى يبخل بعلم غيره ويكثر عتبه وسخطه على من يفيد غيره من التلامذة المستحقّين لفائدة العلم ، وأكثر ما يتوصل

--> ( 1 ) . قال اللّه عز وجل في محكم كتابه : فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ التوبة / 38 . ( 2 ) . يقال : العبد يؤدي خرجه ، أي : غلّته . والرعيّة تؤدّي إلى الأمير الخراج ، والخرج أيضا من السحاب ، وجمعه خرج ، وقيل : الخراج بالضّمان . أي : ما يخرج من مال البائع فهو بإزاء ما سقط عنه من ضمان المبيع .